الجاحظ
159
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
ومن مجانين الكوفة : عيناوة ، وطاق البصل . حدثني صديق لي قال : قلت لعيناوة : أيما أجن ، أنت أو طاق البصل ؟ قال : أنا شيء وطاق البصل شيء ! ومن مجانين الكوفة بهلول ، وكان يتشيع ، فقال له إسحاق بن الصياح : أكثر اللّه في الشيعة مثلك . قال : بل أكثر اللّه في المرجئة مثلي ، وأكثر في الشيعة مثلك . وكان جيّد القفا ، فربما مر به من يحب العبث فيقفده « 1 » ، فحشا قفاه خراء ، وجلس على قارعة الطريق فكلما قفده إنسان تركه حتى يجوز ، ثم يصيح به : يا فتى شم يدك ! فلم يعد بعدها أحد يفقده . وكان يغني بقيراط ويسكت بدانق . وكانت بالكوفة امرأة رعناء يقال لها مجيبة ، فقفد بهلولا فتى كانت مجيبة أرضعته ، فقال له بهلول : كيف لا تكون أرعن وقد أرضعتك مجيبة ؟ فو اللّه لقد كانت تزق لي الفرخ فأرح الرعونة في طيرانه ! قال : وحدثني حجر بن عبد الجبّار قال : مرّ موسى بن أبي الرّوقاء ، فناداه صبّاح الموسوس : يا ابن أبي الروقاء ! أسمنت برذونك ، وأهزلت دينك ، أما واللّه إن أمامك لعقبة لا يجاوزها إلا المخف ! فحبس موسى برذونه وقال : من هذا ؟ فقيل له : هذا صباح الموسوس . فقال ما هو بموسوس ، هذا نذير . قال أبو الحسن : دعا بعض السلاطين مجنونين ليحركهما فيضحك مما يجيء منهما فلما أسمعاه وأسمعهما غضب ودعا بالسيف ، فقال أحدهما لصاحبه : كنا مجنونين فصرنا ثلاثة ! وقال عمر بن عثمان « 2 » : شيعت عبد العزيز بن المطلب المخزومي وهو قاضي مكة ، إلى منزله ، وبباب المسجد مجنونة تصفق وتقول :
--> ( 1 ) قفد : صفع . ( 2 ) عمر بن عثمان التيمي المدني ، من وجوه قريش وفصحائها ، ولاه الرشيد البصرة ، وخرج حاجا وأقام في المدينة حتى وفاته .